هل وجدت نفسك يومًا تنظر إلى نجاح شخص آخر وتتساءل: “لماذا لست مثله؟”
رغم أننا نحاول تجاهلها، إلا أن المقارنة بالآخرين سلوك بشري طبيعي ومتجذّر في عقولنا منذ القدم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه المقارنة من دافع للتحفيز إلى مصدر للإحباط والتعب النفسي.
في هذا المقال، سنفهم من منظور علم النفس لماذا نقارن أنفسنا بالآخرين، ومتى تكون المقارنة مفيدة، ومتى تصبح سامة.
1. المقارنة جزء من غريزة التطور
وفقًا لعالم النفس الاجتماعي ليون فستنجر الذي طرح “نظرية المقارنة الاجتماعية”، الإنسان يميل فطريًا إلى مقارنة نفسه بالآخرين لتقييم مكانته وقدراته.
في المجتمعات القديمة، كانت هذه المقارنة ضرورية للبقاء — لمعرفة من الأقوى أو الأذكى أو الأكثر قدرة على القيادة.
لكن في العصر الحديث، تحوّل هذا السلوك من وسيلة للتطور إلى مصدر دائم للضغط النفسي.
2. الدماغ مبرمج على المقارنة
الأبحاث الحديثة تشير إلى أن مناطق معينة في الدماغ، مثل القشرة الجبهية، تنشط عند رؤية شخص آخر ينجح أو يفشل.
هذا يعني أن المقارنة ليست قرارًا واعيًا بالكامل، بل تفاعل عصبي تلقائي.
ومع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، تضاعف هذا التفاعل لأننا نُقارن أنفسنا بعشرات الأشخاص يوميًا دون أن نشعر.
3. وسائل التواصل الاجتماعي تغذي المقارنة
عندما نرى صورًا مثالية على “إنستغرام” أو “تيك توك”، ننسى أن ما نشاهده هو النسخة الأفضل فقط من حياة الآخرين.
لكن الدماغ لا يميّز بين الواقع والمشهد المنسق، فيبدأ في الحكم السلبي على الذات.
تكرار هذا النمط يجعلنا نشعر بأننا أقل إنجازًا أو جمالًا أو سعادة من غيرنا، رغم أن المقارنة غير عادلة من الأساس.
4. المقارنة ليست كلها سلبية
علم النفس يرى أن المقارنة قد تكون إيجابية إذا استخدمت كأداة تحفيز.
عندما ترى شخصًا نجح في مجال تحبه، يمكنك أن تتعلّم منه وتقتدي بخطواته بدل أن تشعر بالإحباط.
ما يجعل المقارنة مفيدة هو نية الشخص واتجاهها: هل تنظر لتتعلّم؟ أم لتُقلّل من نفسك؟
5. لماذا تؤذي المقارنة المستمرة نفسيتنا؟
المقارنة المستمرة تُشعل مشاعر النقص والغيرة، وتُقلّل من تقدير الذات بمرور الوقت.
كما أنها تُشغل العقل في تقييم الآخرين بدل التركيز على تطوره الشخصي.
عندما تقارن نفسك باستمرار، أنت في الحقيقة تُفقد نفسك هويتك الفريدة وتحاول العيش في ظل شخص آخر.
6. كيف تتجاوز دائرة المقارنة السامة؟
- ذكّر نفسك أن كل شخص يعيش قصة مختلفة. نجاحه لا يعني فشلك.
- قلّل من وقتك على السوشيال ميديا. فكل دقيقة هناك تزرع مقارنة جديدة في ذهنك.
- احتفل بإنجازاتك الصغيرة. المقارنة تقل عندما تُقدّر ما تملكه بالفعل.
- تعلّم الامتنان. التركيز على النعم يجعلك أكثر رضا وسعادة.
7. حول المقارنة إلى دافع إيجابي
بدل أن تسأل “لماذا ليس لدي مثلهم؟”، اسأل “ماذا يمكن أن أتعلم منهم؟”.
بهذا التفكير، تتحول المقارنة إلى مصدر طاقة وتطور لا إلى شعور بالنقص.
العقول الذكية لا تُقارن، بل تستفيد وتتعلم.
الخلاصة
المقارنة بالآخرين طبيعية، لكنها تصبح خطرًا عندما تفقد وعيك بها.
التحرّر منها لا يعني تجاهل الآخرين، بل التركيز على رحلتك الخاصة.
تذكّر دائمًا أن سعادتك لا تُقاس بما لدى غيرك، بل بما تصنعه أنت في حياتك.
